أقرّ وأعترف لك، عزيزي القارئ، أنني أخاف من الحيوانات، وخاصة الكلاب؛ بل أكاد أموت رعبًا، ويخفق قلبي بشدة كلما مررت بجوار كلب، وحتى مجرد سماع نباحه كفيل بأن يُجمّدني في مكاني رغم خفة دم ولاد الكلب الصغار أحياناً.
ومع ذلك، فهي مخلوقات الله في أرضه، وفي هذا الكون الواسع لا يوجد شيء خُلق عبثًا؛ بل لكل مخلوق دور دقيق يسهم في حفظ التوازن الذي أبدعه المولى عز وجل بحكمة وإتقان.
ويجسّد منزلي الصغير الانقسام المجتمعي الواضح حول قضية الكلاب الضالة؛ بين من يؤيد حق هذه الكائنات في حياة آمنة ويرى أن الأرض للجميع، وبين من يفضّل قطع الطعام عنها لإجبارها على المغادرة، وبكل موضوعية؛ أحترم رغبة ابنتي الصغرى في تقديم القليل من الطعام للقطط والكلاب، واستقبالهم لها بحفاوة تصل إلى الأحضان تعبيرًا عن امتنانهم، وفي الوقت ذاته، أتفهّم خوف ابنتي الكبرى من الكلاب، وهو الخوف الذي أشاركها إياه.
كذلك اعتادت جارتي على ترك ما يتبقى لديها من خبز بجوار شقتي، لتقدّمه ابنتي الصغرى للقطط والكلاب بعد ترطيبه بقليل من الحليب أو الحساء، وفي المقابل، يهدد أحد الجيران بوضع السم لهذه الكلاب خوفًا على ابنه الصغير.
والمفارقة أنني سمعت هذا الطفل نفسه الذي يهدد والده بدس السم للكلاب، يحدّث والدته عن الرفق بالحيوان كما تعلّمه في المدرسة، وهنا تحية إجلال وتقدير لدور المعلم والقائمين على العملية التعليمية في ترسيخ هذا الفكر الإنساني الراقي الرفق بالحيوان واحترام مخلوقات الله على الأرض.
ويحثّ ديننا على الرفق بالحيوان، ويجعل الرحمة به سببًا في نيل الأجر، كما يحذّر من إيذائه أو الإهمال في حقه، فالله سبحانه وتعالى لم يخلق هذه الكائنات عبثًا، بل جعلها جزءًا من منظومة الحياة التي يجب أن نحافظ عليها ونحترمها شئنا أم أبينا، حتى وإن كنت، ومن هم أمثالي، نخاف الكلاب، وهنا أوجه كل التحية لوزارة الأوقاف لحثها عبر وسائل الإعلام على الرفق بالحيوان.
رغم خوفي من هذه الكائنات، أعترف بأن القطط والكلاب كائنات قريبة من الإنسان، تحمل في وجودها فوائد بيئية ونفسية كبيرة، وتتجلى من خلالها معاني الرحمة، حيث تلعب القطط دورًا مهمًا في الحفاظ على التوازن البيولوجي بالمساهمة في الحد من انتشار القوارض التي قد تُلحق ضررا بالمحاصيل الزراعية وتنقل الأمراض، أما الكلاب، فلها دور بارز في الحماية والمساعدة للإنسان.
ولا تقتصر فوائد القطط والكلاب على الجانب البيئي، بل تمتد إلى الجانب النفسي والإنساني، بحسب علماء النفس، فالتعامل مع القطط والكلاب يُشعر الإنسان بالأنس ويخفف من التوتر والوحدة، كما يزرع في النفس مشاعر الرحمة ويعمق الإحساس بالمسؤولية، حيث إن رعايتها والاهتمام بها يعلّم الإنسان قيم العطف والإحسان، وهي قيم جوهرية في بناء مجتمع متماسك.
ومن هنا، فإن مسؤوليتنا تجاه هذه الحيوانات، إن لم نستطع الإحسان إليها، فلا أقلّ من أن نكفّ أذانا عنها، فلا نؤذها ولا نطردها بعنف، وليس لنا أن نحرم هذه الكائنات من حقٍ منحه الله لها.
يكفي أحيانًا أن نترك لها مساحةً آمنة، أو نقدّم لها القليل من الطعام والماء، أو نعاملها بلطف دون خوف أو قسوة.
أمّا فيما يخصّ الكلاب المصابة بالسعار، والتي يمتدّ ضررها إلى الإنسان والحيوان، فيجب التعامل معها بطرقٍ آمنةٍ وإنسانية تراعي السلامة العامة.
في النهاية، الرحمة ليست خيارًا ثانويًا، بل هي مقياس إنسانيتنا، وكل مخلوق في هذا الكون مهما بدا صغيرًا، هو جزء من لوحة عظيمة أبدعها الخالق سبحانه وتعالى، فلنكن رحماء بما حولنا، نُسهم في حفظ هذا التوازن البيئي، ونعكس أجمل ما في إنسانيتنا.

من نجريج إلى أنفيلد.. لماذا أحب العالم محمد صلاح؟
الطلاق فى زماننا
مشنقة النفاق الاجتماعى







